نحن البشر الفانين نتأثر بالخرافة اكثر مما نتأثر بالعقل. والعصر الحديث الذي رفع راية العقل، اكثر مما فعلت العصور القديمة والوسطى، كان اكثرها جنونا.
وقصة الأحزاب، وهي ابنة العصر الحديث، تثبت ذلك ربما اكثر من اي شيء آخر. فقد اجتذبت الاحزاب المجنونة، القائمة على هذا النوع من الخرافة اوذاك، اكثر بكثير مما فعلت الاحزاب العاقلة. والتفريق عندي بسيط بين النوعين. فالثانية هي ما يقع في دائرة الديمقراطية، والاولى هي ما لا يمت بصلة لدائرة الديمقراطية.
الأحزاب العاقلة لم تستطع ان تتجاوز سقف النصف مليون عضو حتى لو كانت في الهند بلد المليار انسان واكثر. فليس لديها شحنات العواطف التي تغذي العقول الملتهبة. هذه احزاب تعمل بالجمع والطرح والحساب والكتاب. احزاب لديها وسيلة تصنع الغايات: التصويت في الإنتخابات للوصول الى السلطة، التصويت تحت قبة البرلمان للوصول الى الهدف الصحيح.
والهدف الصحيح عند الاحزاب الديمقراطية هو الهدف القريب، الهدف البعيد ليس هدفا على الاطلاق. والاهداف القريبة مهما اختلفت وتعددت فانها يجب ان تلتقي عند نقطة لا تحيد عنها: تحسين شروط العيش وضمان الحرية. والأساس الذي تنطلق منه هو الحد من التطرف في المعاناة، خصوصا الفقر ـ الأم الأفعى لكل الشرور.
مثلا: الناس تشتري الأمن لحياتها ومصالحها بضرائب تدفع للحكومة. والدفع متفاوت بين الموظف المأجور وبين رجل المال والأعمال. كما يتفاوت بتفاوت الرواتب والاعمال. واقدار معينة من واردات الضرائب تذهب الى التأمين الصحي والضمان الاجتماعي. وهذا الأخير يشمل الفئات المحتاجة ويتجاوز الفئات المستغنية. وهذه قضايا حقيقية « تافهة» تخص الحياة ولا تعني الأحزاب المجنونة التي تذهب للخيالي والبعيد. خرج هتلر براية العرق الآري فانضمت الملايين الى الحزب النازي. وعبرت الشيوعية جسرالمسيب لاهثة وراء وحدة الشغيلة العالمية فجمعت في العراق وحده نحو المليون. ونادى البعث بوحدة الأمة فجمع ما جمع. ورفعت الثورة الاسلامية في ايران راية الله وتعال وشوف الجماهير على مد النظر. وقتل جيفارا فتوعد الشاعر الشعبي العراقي الامبريالية « جيفارا دمك ما نشف جيفارا» ، فيما بكى نظيره المصري وهو يقول « جيفارا مات من غير رفاق تودعو».
واليوم تنطلق في العراق حركة سمت نفسها ”اهل الحق“، وتكررت الاخبار في الاونة الاخيرة عن قيامها بتعذيب وقتل الشاذين جنسيا، واستمرار مطاردتها لهم وتوعدهم بالقتل في مدينة الصدر.
وفي البلاد من المشكلات بعدد العراقيين انفسهم. لكن هذه الحركة خلت راسها بقضية الشاذين. ولو كان الامر في حدود الراس، اي الرأي، فهذا هو ما يفعله الأسوياء عادة في حربهم على مظاهر الجريمة والانحراف. لكن ان يتجاوزوا سلطة القانون ويطاردون ويعذبون ويقتلون، فهذا ما لا يفعله سوى « اهل الغربة عن الحق». ولولا وجود شرطة وجيش وسلطة تحتكر العقاب لأمكن لمثل هذه الحركة ان تنمو وتستقطب الجماهير. يحدث ذلك في احسن المجتمعات اذا غابت عنها السلطة.
وقد تسأل: هل يعقل مع وجود هذه المشكلات الجبارة في العراق ان يلخص قوم كفاحهم بـ « قضية» الشاذين؟
هذا السؤال في الواقع يمكن تعميمه على كل الاحزاب الجماهيرية المليونية في ثلاثة ارباع المعمورة: فماذا كانت ”قضية“ صدام؟ ماذا كان الخمير الحمر يريدون؟ اي ”قضية“ حملت ستالين على ان يدفع قاتلا مأجورا ليهوي بالطبر على رأس رفيقه تروتسكي؟ ولماذا كان ذلك البقال المسكين الذي عرفته في صباي يكره تشرشل كل ذلك الكره؟ يمك حواليك!