بغداد _ العالم
في ظل تصاعد التوتر العسكري في المنطقة على خلفية المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، يجد العراق نفسه مجدداً في قلب معادلة معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسيادية مع الضغوط الإقليمية والدولية. ومع تكرار الضربات التي تستهدف مواقع عسكرية داخل البلاد، وسقوط ضحايا من القوات الأمنية، تحاول حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني احتواء الموقف عبر مسارين متوازيين: فرض سلطة الدولة داخلياً، وتفعيل التحرك الدبلوماسي خارجياً لتجنب انزلاق البلاد نحو صراع مفتوح.
شهد العراق خلال الأيام الأخيرة تصعيداً خطيراً تمثل بسلسلة من الضربات الجوية التي طالت مواقع تابعة لهيئة الحشد الشعبي، بالتزامن مع هجمات صاروخية استهدفت إقليم كردستان، بما في ذلك مطار أربيل الدولي، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من قوات البيشمركة. هذا التطور يعكس حجم التوتر المتنامي في الساحة العراقية، التي باتت مسرحاً لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، عقد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني اجتماعاً طارئاً للمجلس الوزاري للأمن الوطني، شدد خلاله على أن قرار الحرب والسلم هو حق حصري للدولة، في رسالة واضحة إلى جميع الأطراف المسلحة داخل البلاد. وأكدت الحكومة رفضها القاطع لأي محاولات لجر العراق إلى صراعات خارجية، مع التشديد على ضرورة الالتزام بالقانون ومنع أي جهة، بما في ذلك بعض التشكيلات داخل الحشد الشعبي، من التصرف خارج الأطر الرسمية.
القرارات التي خرج بها الاجتماع عكست توجه الحكومة نحو فرض الانضباط الأمني، حيث تضمنت ملاحقة المتورطين في الاعتداء على المؤسسات الأمنية والبعثات الدبلوماسية، إلى جانب تحميل القيادات الأمنية مسؤولية أي تقصير في تنفيذ القانون. كما شملت تفعيل مبدأ “حق الدفاع عن النفس” للتصدي للهجمات التي تستهدف القوات العراقية، وهو ما يعكس تحولاً في طبيعة التعامل الرسمي مع التهديدات المتزايدة.
على الصعيد الخارجي، اتجهت بغداد إلى تصعيد دبلوماسي من خلال تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، واستدعاء ممثلي كل من الولايات المتحدة وإيران لتسليمهم مذكرات احتجاج، في محاولة لتثبيت موقف العراق كدولة ذات سيادة ترفض أن تكون ساحة صراع بالوكالة. غير أن هذه التحركات تصطدم بواقع معقد، يتمثل في استمرار العمليات العسكرية المتبادلة بين الأطراف المختلفة على الأراضي العراقية.
في المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى تصاعد وتيرة الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة ضد القواعد والمصالح الأميركية داخل العراق وخارجه، حيث أعلنت بعض الفصائل تنفيذ عشرات العمليات خلال أسابيع قليلة، مستخدمة الطائرات المسيّرة والصواريخ. هذا التصعيد المتبادل يضع البلاد أمام خطر الانزلاق إلى دوامة عنف يصعب احتواؤها، خاصة في ظل تداخل الجبهات الإقليمية من سوريا إلى الخليج. ويرى محللون أن استمرار استهداف الحشد الشعبي، بوصفه جزءاً من المنظومة الأمنية الرسمية، يمثل تحدياً مباشراً لهيبة الدولة العراقية، ويستدعي موقفاً سياسياً موحداً لمواجهة ما يعد انتهاكاً للسيادة. في المقابل، يحذر خبراء أمنيون من أن ردود الفعل العسكرية غير المنضبطة قد تؤدي إلى تعقيد المشهد، وتمنح مبررات لمزيد من التدخلات الخارجية.
(تفاصيل ص2)