بغداد ـ العالم
في وقت تتسارع فيه وتيرة التوترات الإقليمية وتتعاظم تداعياتها الأمنية والاقتصادية، يجد العراق نفسه أمام اختبار سياسي جديد يتمثل في ضرورة حسم ملف تشكيل الحكومة، وسط خلافات داخلية تعرقل التوافق وتطيل أمد الفراغ. ومع تصاعد الضغوط، تتجه الأنظار إلى اجتماع مرتقب لقوى الإطار التنسيقي، في محاولة لإعادة ترتيب الأوراق والبحث عن بدائل قيادية، بما يضمن تشكيل سلطة تنفيذية قادرة على مواجهة التحديات المتفاقمة.
تشير مصادر مطلعة إلى أن قوى الإطار التنسيقي تعتزم عقد اجتماع حاسم يوم الثلاثاء، لبحث بدائل محتملة عن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، في ظل تباينات واضحة حول آلية الحسم، سواء عبر التوافق السياسي أو اللجوء إلى التصويت داخل الإطار.
وبحسب المصادر، فإن عدداً من القيادات السياسية أبلغت المالكي بضرورة الانسحاب من سباق الترشيح، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتفادي تعقيد المشهد، إلا أنه رفض ذلك، مشترطاً الاحتكام إلى التصويت داخل الإطار التنسيقي. ومن المتوقع أن يشهد الاجتماع طرح خيارات متعددة، من بينها الإبقاء على المالكي، أو ترشيح رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، أو التوافق على شخصية جديدة تحظى بقبول أوسع.
ويأتي هذا الحراك السياسي في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد، حيث تتصاعد التوترات في المنطقة بشكل ينذر بتداعيات مباشرة على العراق، سواء على الصعيد الأمني أو الاقتصادي، ما يعزز الحاجة إلى وجود حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على اتخاذ قرارات سريعة وفعالة.
وفي هذا السياق، حذر الخبير في الشؤون الاستراتيجية حسين الأسعد من مخاطر استمرار حالة الفراغ السياسي، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب الإسراع في تشكيل حكومة قوية تمتلك القدرة على إدارة الملفات الحيوية بكفاءة عالية.
وأوضح الأسعد أن التحديات التي يواجهها العراق لم تعد محصورة في الداخل، بل باتت مرتبطة بشكل وثيق بالتطورات الإقليمية، لاسيما ما يتعلق باحتمالات اتساع رقعة التوتر الأمني، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المرتبطة بسلاسل الإمداد والطاقة والتبادل التجاري. وأشار إلى أن موقع العراق الجغرافي، وعلاقاته المتشابكة مع دول المنطقة، يجعلان منه طرفاً متأثراً بشكل مباشر بأي تصعيد، ما يفرض على القوى السياسية تحمل مسؤولياتها والإسراع في استكمال الاستحقاقات الدستورية.
ويرى مراقبون أن استمرار الخلافات داخل الإطار التنسيقي يعكس عمق الانقسام السياسي، ويطرح تساؤلات حول قدرة القوى الفاعلة على تجاوز حساباتها الضيقة، والتوصل إلى صيغة توافقية تضمن استقرار العملية السياسية.
كما أن تأخير حسم ملف رئاسة الحكومة ينعكس سلباً على قدرة الدولة في مواجهة التحديات، خصوصاً في ظل الأزمات المتلاحقة التي تتطلب قرارات سريعة على المستويات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز دعوات متزايدة لتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية، والعمل على تشكيل حكومة تمتلك رؤية استراتيجية واضحة، قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية، وتعزيز الاستقرار الداخلي.
ويؤكد مختصون أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً للنظام السياسي في العراق، إذ إن نجاحه في تشكيل حكومة فاعلة سيعزز من قدرة البلاد على الصمود أمام الأزمات، في حين أن استمرار حالة الانسداد السياسي قد يفاقم من التحديات، ويدفع البلاد إلى مزيد من التعقيد.
يبقى اجتماع الإطار التنسيقي المرتقب محطة مفصلية في مسار العملية السياسية، وسط ترقب لنتائجه وما إذا كان سينجح في كسر الجمود، أو يضيف فصلاً جديداً إلى سلسلة الأزمات التي يواجهها العراق في هذه المرحلة الحساسة.