بغداد ـ العالم
في توقيتٍ يصفه بالمفصلي على المستويين الإقليمي والدولي، عاد رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي إلى الكتابة بعد انقطاع قال إنه كان “قهرياً” بفعل الانشغالات السياسية، موجهاً رسالة مباشرة إلى العراقيين يدعوهم فيها إلى “التهيؤ لما هو قادم”. وجاء مقاله المنشور في صحيفة الشرق الأوسط متزامناً مع اليوم الوطني الياباني في 11 فبراير، ليجعل من التجربة اليابانية مدخلاً لطرح سؤال الإصلاح وبناء الدولة في العراق.
الكاظمي استهل مقاله بالإشارة إلى التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل النظامين الإقليمي والعالمي، معتبراً أن هذه اللحظة تفرض على العراقيين الاستعداد لمرحلة جديدة. واستحضر مقولة الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانار: “أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره”، ليؤكد أن مراجعة التجارب التاريخية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لصياغة استراتيجيات رشيدة وبناء قرارات مسؤولة.
وفي هذا السياق، توقف عند التجربة اليابانية بوصفها نموذجاً للتحول العميق. وأوضح أنه زار اليابان عدة مرات منذ عام 2023، ما أتاح له الاطلاع المباشر على عناصر القوة في هذه التجربة. وبرأيه، فإن حكايات النهوض لا تبدأ من وفرة المال أو من الشعارات السياسية، بل من “لحظة صدق قاسية مع الذات”، يقرر فيها المجتمع، بنخبه ومؤسساته وأفراده، الانتقال من حالة التشتت إلى مشروع دولة حقيقية.
ويرى الكاظمي أن التحول الياباني لم يكن “معجزة سماوية” أو نتيجة حظ تاريخي، بل ثمرة إرادة سياسية واجتماعية واعية واجهت البنى الإقطاعية والعشائرية التي كانت تعيق تشكل الدولة الحديثة. ويشير إلى أن “قانون ميجي” شكّل نقطة الانعطاف الأولى في هذا المسار، إذ أعلن ولادة مفهوم جديد للدولة المركزية، وكسر منظومات الولاء الضيق، وحسم مسألة المرجعية السياسية والقانونية.
وبحسب المقال، اتخذت الدولة اليابانية آنذاك قراراً بإلغاء الامتيازات الوراثية وإنهاء سلطة الإقطاعيين، محوّلة الولاء من العشيرة إلى الدولة المركزية. ويخلص الكاظمي إلى أن وجود “دول داخل الدولة” يعني عملياً غياب الدولة نفسها، وأن أي مشروع نهضوي يبدأ بحسم مسألة السيادة ووحدة القرار.
غير أن بناء المؤسسات، في نظره، لا يكفي وحده. فالتجربة اليابانية جعلت من التعليم الركيزة الأكثر صلابة في مشروعها النهضوي، عبر فرض التعليم الإلزامي وتطوير مناهج لا تكتفي بنقل المعرفة، بل ترسخ منظومة قيم قائمة على الانضباط، واحترام الوقت، والعمل الجماعي، والاحتكام إلى القانون. فالمدرسة، وفق هذا النموذج، ليست سلماً وظيفياً، بل مختبراً لإعادة تشكيل الإنسان.
كما يشير إلى أن اليابان أعادت تعريف مفاهيم الشرف والالتزام، وربطتها بالإتقان والعمل لا بالنسب أو الامتيازات، وحوّلت روح الساموراي من ثقافة قتال إلى ثقافة إنتاج. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين واجهت هزيمة عسكرية ودماراً شاملاً، اختارت إعادة تعريف مفهوم القوة، فانتقلت من السلاح إلى الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، لتصبح خلال عقود قوة اقتصادية كبرى.
انطلاقاً من ذلك، يدعو الكاظمي إلى “لحظة ميجي” عراقية، تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتنقل البلاد من “عقلية الغنيمة” إلى “عقلية المؤسسة”، ومن ضيق الانتماءات الفرعية إلى سعة الهوية الوطنية الجامعة. ويؤكد أن الدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بالقوة وحدها، بل بالعدالة والثقة المتبادلة والإصلاح الثقافي والتربوي والقانوني.
ويختم مقاله بسؤال وصفه بالأخلاقي والوطني المصيري: هل يمتلك العراقيون الجرأة للسير في هذا الطريق، أم سيبقون أسرى البحث عن الغنيمة، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات كبرى؟ سؤال يضع، بحسب مقاله، مستقبل الدولة العراقية على مفترق طرق بين إعادة التأسيس أو استمرار الدوران في الحلقة نفسها.