بغداد - وكالات
لم يعد الهجوم السيبراني يتطلب وجود هاكر خلف شاشة، بل خوارزمية قادرة على التعلم والتكيف والهجوم. في هذا العصر، لا تُكتشف الحقيقة الرقمية بالحدس، بل تُستخرج بالأدلة. غيّر الذكاء الاصطناعي شكل الجريمة، لكن الطب الشرعي الرقمي يمتلك مفاتيح كشفها وتفكيكها وتقديمها للعدالة. هذه ليست معركة تقنية فحسب، بل معركة على الحقيقة ذاتها. فلماذا أصبح الطب الشرعي الرقمي خط الدفاع الأخير؟
قال الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، في تصريحات خاصة لـ "العربية.نت" و"الحدث.نت": "نحن نعيش اليوم مرحلة فارقة في تاريخ التهديدات الرقمية. الهجمات السيبرانية لم تعد مجرد محاولات اختراق تقليدية، بل أصبحت عمليات ذكية، متكيفة، وسريعة التطور، يقودها الذكاء الاصطناعي ويغذيها فيض غير مسبوق من البيانات. في هذا المشهد المعقد، لم يعد السؤال هو: هل سنتعرض لهجوم رقمي؟ بل متى؟ وكيف سنثبت ما حدث؟ ومن المسؤول؟".
تجسس صناعي
وأوضح: "عند وقوع نشاط رقمي غير متوقع، سواء كان احتيالاً مالياً، أو تسريب بيانات، أو تجسساً صناعياً، أو هجوماً إلكترونياً منسقاً، فإن الأنظمة والأجهزة لا تصمت. كل نقرة، كل اتصال، كل حزمة بيانات تترك أثراً. هنا يتجلى الدور المحوري للطب الشرعي الرقمي، كعلم يحوّل الفوضى الرقمية إلى سردية دقيقة قائمة على الأدلة. الطب الشرعي الرقمي ليس مجرد فحص تقني للأجهزة، بل ممارسة احترافية متخصصة للتحقيق في النشاط الخبيث عبر أي وسيط رقمي، وجمع الأدلة وتحليلها وتوثيقها بطريقة منهجية يمكن الاعتماد عليها فنياً وقانونياً".
أكد الدكتور محسن رمضان أن تزايد اعتماد حياتنا ومؤسساتنا على التكنولوجيا يجعل هذا التخصص ضرورة استراتيجية، لا رفاهية تقنية. تنبع أهمية الطب الشرعي الرقمي من حقيقة بسيطة وخطيرة: معظم الجرائم الحديثة تترك بصماتها في الفضاء الرقمي. منح تطور هذا المجال جهات التحقيق وسلطات إنفاذ القانون إطارًا منظمًا لجمع الأدلة الرقمية بشكل مقبول قضائيًا، بعد أن كانت تلك الأدلة في الماضي عرضة للطعن أو الرفض. ومع تضخم أحجام البيانات، وتنوع المنصات، وتشابك الأنظمة، أصبحت التحقيقات الرقمية أكثر تعقيداً واستهلاكاً للوقت، مما يجعل وجود فرق متخصصة في الأدلة الجنائية الرقمية أمراً حاسماً لضمان عدم ضياع الحقيقة وسط الضجيج الرقمي.