كل شيء في الدنيا أخذ وعطاء. حق وواجب. ولا أحد يؤدي الواجب وحقه مهضوم. والحق يبدأ من الرزق، من مصدر الرزق، من العمل. فإذا اختلت المعادلة في هذا الميدان اختل المجتمع بالجملة والمفرد.
لا شيء يستقيم في المجتمع اذا لم تستقم ظروف العمل: وهذه الظروف كثيرة، لكن والديها، أباها وامها، الأجر أو الراتب. من انصاف الحق تولد الإنتاجية والكرامة، وتنموان، وتمتدان الى كل شيء: البيت، المدرسة، العلاقات، المجتمع، السلطة، وما في المحيط من طبيعة. من هذا الإنصاف ينضج الإحساس بالمسؤولية، ويصبح الواجب طبيعة ثانية في الإنسان.
ويحدث العكس من ذلك اذا ظلم الحق في الراتب او الأجر. فمن هذا الإجحاف تولد المهانة وتعم، يضمر الأمل وتنعدم الإنتاجية ويموت الواجب.
ولعقود طويلة اختلت معادلة الحقوق والواجبات. والحياة هي الحقوق والواجبات: وقد انتقلت الحياة الى رحمة الله في سنوات الحصار. فما الذي يبقى في الإنسان اذا تهاوى أجره الى دولار واحد في الشهر؟ ماذا يبقى غير اليأس؟ وعدة اليأس أكثر ترويعا من الموت: انها العدمية، فقدان الشعور بقيمة أي شيء، والضياع الشامل للقيمة والمعنى.
ان انهيار قيمة العمل جعل العراق أخطر بلد في العالم.
والإرهاب والفساد والطائفية فصول من ذلك الإنهيار. فهذه بضائع المجتمعات الفاشلة في العمل. ولا أحد يشتري مثل هذه البضائع الفاسدة اذا الدنيا بخير و”الإشيا معدن“ كما يقول اخواننا المصريون.
ولقد تحرر العراق من الحصار الدولي، لكنه وقع أسيرا لنوع جديد من الحصار. انه المحاصصة الحزبية. وهذه تعني انك اذا عينت مديرا من هذا الحزب فإن عليك تعيين معاونين له من بقية الشركاء. هذا معناه ان تجور أقلية حزبية على أغلبية الشعب. وهذا معناه ايضا ان معيار الحزبية حل بديلا عن معيار الكفاءة. وبسقوط مقياس الكفاءة يتواصل انهيار العمل.
ان المحاصصة الحزبية تعيد مقتل العمل الذي أنتجه احتكار الحزب الواحد والحصار الدولي. نحن ما زلنا محاصرين يا جماعة !
والكارثة ان من عادة النظام الحاكم نقل أخلاقه الى محكوميه. الفشل يغذي الفشل. وبالتالي ”عادي“ أن ترى همّ الموظفين في العمل هو نهاية وقت العمل. او استغلال الدوام في العبث بالفيسبوك. لكأن حياتهم مجمدة بانتظار الحركة بعد الدوام. وقد لا تكون المشكلة دائما في قلة الأجر. ان أخلاق الحصار لا تتبدل بمجرد فك الحصار. فما بالك اذا نزع الحصار أسماله وارتدى ثيابا جديدة؟
ووسط هذا النفق لابد من ضوء. ولعل مؤسسات القطاع الخاص تستطيع القيام بمبادرات مهمة. يمكن ان تعطي المثل في جودة الإنتاج والكرامة. ولابد ان مثل هذه المؤسسات موجودة مهما ندرت. فلو خليت قلبت يا جماعة! ووصيتي لمثل هذه المؤسسات ”وبالوالدين احسانا“. فالراتب أبو وأم الإنتاج والكرامة.
العمل حقا عبادة. يثيب ويعاقب. تأخذ منه قدر ما تعطيه. فلا أحد يربح اليانصيب دون شراء ورقة اليانصيب
وكل هذا الكلام برأيي صحيح ومرتب. لكنني أشك في ان يكون كذلك في شهري تموز وآب. ذلك ان الحر يضعضع صحة أي شيء. ولم يأت عبثا اختيار الحر اداة لتعذيب غير الصالحين في الآخرة!
والسؤال المطروح هو: لماذا يأتينا الحر قبل ان يحل موعد الآخرة؟ ترى هل ان هذا السخط كله مجرد تنبيه؟ ربي..سبحانك!