بغداد – العالم
على امتداد العقدين الأخيرين، شهد العراق تحولاً متسارعاً في ثقافة التسوق. الأسواق الشعبية التي لطالما شكّلت عصب الحياة اليومية للعراقيين، أخذت تتراجع تدريجياً أمام صعود المولات والمجمعات التجارية الحديثة، التي باتت تتكاثر في قلب المدن، مغيرةً وجه العمران وأنماط الاستهلاك والعلاقات الاجتماعية في آنٍ معاً.
في بغداد والبصرة والنجف، لم تعد الأسواق التراثية وحدها العنوان الأبرز للتجارة، بل صارت البنايات الزجاجية المرتفعة التي تحمل أسماء تجارية لامعة جزءاً من المشهد اليومي. كثير من هذه المولات شُيّد على أراضٍ كانت في الماضي حدائق عامة أو أسواقاً تقليدية، أو حتى داخل أحياء مكتظة، ما عمّق أزمات التخطيط الحضري وولّد زحامات خانقة.
تسوّق مكيّف.. وزحام خانق
المواطن نبيل الكريماوي (33 عاماً)، وهو موظف حكومي، يرى أن المولات "قدّمت للعراقيين بيئة تسوق منظمة ومكيّفة، خالية من الفوضى والاحتيال، وغالباً ببضائع ذات جودة أعلى". لكنه في الوقت ذاته يشتكي من أنها "تُبنى وسط الأحياء السكنية، فتتسبب بزحام شديد وصعوبة في العثور على موقف للسيارات"، معترفاً بأنه يلجأ أحياناً إلى الأسواق الصغيرة لتفادي هذا الازدحام.
ويرى مختصون أن غياب الدراسات التخطيطية المرورية كان السبب الرئيس لهذه الإشكالية، إذ تُمنح تراخيص البناء أحياناً بقرارات استثنائية، دون مراعاة لشبكة الطرق أو طاقة الأحياء على الاستيعاب، ما يجعل المولات عبئاً عمرانياً بقدر ما هي مركز استهلاكي.
على الضفة الأخرى، يعيش الباعة الصغار وأصحاب البسطات تراجعاً ملموساً في عدد الزبائن. قتيبة الزهيري (41 عاماً)، صاحب بسطة في سوق باب المعظم، يقول إن المراكز التجارية "لا تناسب أصحاب الدخل المحدود، ولا الباعة البسطاء الذين لا يستطيعون دفع إيجارات بالدولار أو توفير تراخيص تجارية باهظة".
ويضيف: "الناس تلجأ للأسواق الشعبية لأنها تمنحهم مرونة في الأسعار، إمكانية التفاوض، أو شراء سلع مستعملة وبسيطة، وهو ما لا توفره المولات". الزهيري يرى أن انتشار المراكز التجارية يُقصي الباعة الصغار ويقوّض أحد أهم مصادر العيش اليومي لآلاف العائلات.
مولات للجميع.. أم للطبقة الوسطى فقط؟
مع ذلك، يصعب إنكار أن المولات وفّرت تجربة تسوّق جديدة استقطبت الطبقة الوسطى والصاعدة، وقدمت فرص عمل لشباب في قطاعات الأمن والخدمات والتسويق، فضلاً عن توفير فضاءات ترفيهية تكاد تغيب عن الحياة العامة في المدن العراقية.
الخبير الاقتصادي قاسم السلطاني يصف الظاهرة بأنها "جزء من التحول الحضري والاقتصادي الذي تشهده الدول النامية"، لكنه يؤكد أن التحدي يكمن في "عشوائية مواقع المولات، وغياب إشراك مكاتب التخطيط الحضري في تحديد أماكنها"، ما جعل بعضها يقوم قرب مدارس أو مستشفيات أو داخل أحياء ضيقة.
لا يقتصر النقاش على البعد الاقتصادي والعمراني فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والثقافي. فالسوق الشعبي لم يكن مجرد مكان للبيع والشراء، بل مساحة للتفاعل الاجتماعي والذاكرة الجمعية.
ويحذّر مختصون اجتماعيون من أن تلاشي هذه الأسواق سيقود إلى "تفكيك النسيج الاجتماعي"، إذ إن كثيراً من الأحياء نشأت حول الأسواق وليس العكس. لكل سوق تقليدي هوية وتاريخ واسم متجذر، بينما المولات تتشابه وتعيد إنتاج النموذج ذاته أينما وُجدت.
أرقام ورسائل مفتوحة
تشير بيانات محلية إلى أن عدد المولات في العراق تضاعف خلال عشر سنوات فقط، لتصبح بمثابة "مدن صغيرة داخل المدن"، تستهلك الماء والكهرباء والطرقات دون مقابل واضح للتنمية المحلية.
وبينما يرحب البعض بهذا التطور باعتباره خطوة نحو "تسوق عصري"، يطالب آخرون بتنظيم تشريعي يوازن بين حماية الباعة التقليديين وتشجيع الاستثمار الحديث، حتى لا يتحول المشهد التجاري إلى مرآة لفوارق طبقية وازدحام حضري بلا حلول.