بغداد - العالم
في العدد الرابع من مجلة الحاصد، والصادر بتاريخ 14 آب 1930 نُشر موضوع بعنوان "العراقيون في أميركه"، تحدث التحقيق عن معلومات عدد العراقيين في أميركا، وماذا يعملون، وكيف هي أحوالهم، وجاء في التقرير:
عاد إلى بغداد أخيرًا من بلاد أميركة أحد شباننا المنورين بعد أن قضى هناك بضعة أشهر درس خلالها حالة المهاجرين العراقيين، ولقد أفضى إلينا بأحاديث مهمة عن اخواننا في أميركة، رأينا أن الواجب الصحفي يقضي علينا نشر شيء منها خدمة للقراء ولسنا بحاجة إلى التنويه بأننا نبغي من وراء كتابة هذا المقال إلقاء نور الحقيقة أمام الأفكار الخيالية، لا تثبيط العزائم أو تسكين الهمم.
بلاد الذهب
في العراق كما في غيره من بلدان العالم نرى الأفكار كثيرًا ما تتجه نحو البلاد الأميركية النائية، حيث الحرية المعبودة والعمل المجيد والثروة والوافرة، وقلما يستطيع المرء أن يتخيل أميركة دون أن يملًا أذنيه رنين الدولارات الكثيرة المبذولة في تلك الديار ودون أن يتمنى لو اتيح له الحظ لأن يكون من أرباب تلك الدولارات!
ولئن أبصرنا عددًا من شباب العراق يهجر بلاده، ويحمل حقائبه إلى مملكة الولايات المتحدة خلال البضع سنوات الأخيرة فلا غرابة في ذلك. فإن أحلام الشباب وأمانيه الحسان والطموح إلى اكتساب الثروة العاجلة وتباريح الأحزاب التي تستولي على الشاب أيحانًا في هذه البلاد لفقداته ما يجاري به خيالات شبابه،، كل هذه من الأسباب التي دعت بعض العراقيين للهجرة إلى أميركة، ولكن الغرابة أو قل كل الأسف يبديه المفكر إذ يعلم أن أغلب العراقيين المهاجرين إلى أميركة، لم يزنوا أنفسهم قبل أن يرموا بها في تيارات أميركة الزاخرة، ولم يفكروا مليًا فيما يجب أن يتدرعوا به من أسباب الحياة في بلاد الغربة.
لا ثروة من لا شيء
لقد غرب عن ذهن الشاب العراقي أن اكتساب الثروة لا يأتي إلا من وراء الثروة نفسها وأن لا ثروة من لا شيء. وسنشرح فيما يلي ما نعني بالثروة التي يحتاجها المرء لاكتساب الثروة في الحياة سيما في بلاد عظيمة الشأن، كبيرة الحركة كبلاد أميركة.
ولقد ظن المهاجر العراقي – والخطأ كل الخطأ فيما ظن – أنه لدى أول نزوله على اليابسة في بلاد روكفللر وفورد ستبتسم في وجهه سماؤهم ثم تترقرق الدموع في عينيها فرحًا فتمطر عليه، ولكن ماذا؟ تمطر عليه وابلًا من الذهب الأصفر الرنان.
ألا في ذمة الله أحلام الشباب الهائم في صحاري الخيال، فإن المهاجر العراقي أبصر نفسه، إذ حل أميركة، وسط بحر ثائر متلاطم الأمواج، فاستنجد بساعديه وكتفيه فإذا بها ضعيفة واستغاث بأصحابه أبناء وطنه فإذا بأغلبهم أضعف منه شأنا فاستسلم إلى الأهواء تتقاذفه يمينًا وشمالًا.
عدد العراقيين وحالتهم
قال لنا محدثنا الفاضل أنه يقدر عدد العراقيين في مدينة نيويورك بما يقارب 500 عراقي، القسم الضئيل منهم كانوا قد هاجروا في مقدمة اخوانهم فتمكنوا بسعيهم ونشاطهم من تأمين حالة مرضية لهم.
والقسم الثاني وهو الأغلب عددًا يتكون من شبان عراقيين، كانوا قد تمكنوا في بغداد من توفير بضعة آلاف من الروبيات ربما لا تقدر عند بعضهم بأكثر من 5000 روبية، فسافروا بها إلى أميركة تسوقهم الآمال الذهبية، وحالة الأخيرين اليوم في أميركة يرثى لها. لأن البضعة آلاف من الروبيات التي تجهز بها هؤلاء ما كانت ولن تكون في بلاد أميركة سلاحًا كافيًا للنزول في ميدان الاستثراء. وكيف يتسنى لنا أن نتصور شابًا يكون له ثروة من هذا المقدار الضئيل من المال وو – عدا ضعف ماليته – يفتقر إلى المعرفة والدراية والخبرة وغير ذلك من الكفاءات التي إذا فقدها المرء في محيط كالمحيط الأميركي فلا يستبعد أن تبتلعه أمواج المجتمع الصاخبة.
النضال في أميركة
وإذا قلنا النضال في أميركة، فلابد لنا من أن نتصور تلك الحركة القائمة على قدم وساق التي يشترك فيه الملايين من الناس. كل منصرف إلى عمله، كل باذل قواه للفوز في ميدان الحياة، القوي يتغلب والضعيف ينغلب، ولربما يهمك أن تعلم أيها القارئ أن الغريب الذي يأوي إلى غرفة في إحدى العمارات قد يمكث ساكنًا فيها بضع سنوات قبل أن يستعلم عن أموره المجاورون له، حتى أنه إذا مرض قد تضيع أنّاته بين ضجة الحياة وغوغائها قبل أن ترمقه العيون.
وتكاليف الحياة في أميركة غالية، وقد لا يتمكن العراقي الذي يقتنع بأن يعيش عيشة بسيطة من تسيير أموره بأقل من بضعة مئات من الدولارات في الشهر الواحد.
وحسبك أن تعلم أن أجرة الخادم لا تقل عن 30 دولار في الاسبوع، وأن عشاء ليلة قد يكلفك إن كان الطعام عاديًا، بما يتراوح بين الخمسة والعشرة دولارات.
صور عراقية
حدثنا صاحبنا عن شاب عراقي كان قد هاجر إلى أميركة قبل خمس سنوات فقال أن هذا الشاب كثيرًا ما أرسل إلى معارقه في بغداد كتبًا تفيض بالرضى والارتياح عن حالته في أميركة، فكان يقول لهم أنه على أحسن ما يرام وأنه أصبح على باب حياة جديدة سيكون له فيها شأن عظيم، ومن هذه الرسائب الإطرائية كانت مرسلة إلى المحدث نفسه، وكم كان الاستغراب شديدًا وكم كان الأسف أشد عندما أبصر محدثنا صاحبه المذكور يمسح صحون الطعام في أحد الأوتيلات وعندما تساءل محدثنا عما حدا بهذا الشاب إلى مزاولة هذه المهنة ولماذا لم يكن على الأقل من مقدمي المشروبات "بوي" علم أن المهنة الأخيرة تحتاج إلى دراسة وشهادات ذات شأن.
ومن الصور المؤلمة أن شابًا كان في بغداد موظفًا يتناول راتبًا شهريًا قدره 450 روبية، ضاقت به الحال بعد أتى على آخر ما ملكت يداه فاضطر إلى التشبث بمزاولة أية مهنة تسنح له وآخر مهنة تعاطاها – كما قال لنا محدثنا الفاضل – هي بيع الدوندرمة في إحدى زوايا نيويورك.
ومما استوجب أسف محدثنا وأسفنا نحن أن العراقيين منقطعون في أميركة بعضهم عن بعض لا رابطة تربطهم ببعضهم ولا مصلحة تجمعهم وهذه الحالة لعمري مؤلمة، لئن تجرع العراقي في بلاده كأسها المر فمن نكد الطالع وشقاء الحياة أن لا يخلص من مرارتها في وحشة الاغتراب. ولقد حاول العراقيون تأسيس ناد يضم شملهم ففتحوه فعلًا ولكنهم ما لبثوا أن أغلقوه!
سل نفسك
لا نريد أن نستعرض صورًا أكثر من هذه لئلا يلومنا البعض ويرمينا بالتشاؤم وتثبيط الهمم – همم الشباب الطامح إلى العلاء والمجد – لذلك نكتفي بما أوردناه أو بعبارة اخرة بما نقلناه من حديث لم يبغ المحدث ولا الناشر من ورائه سوى أن يدرك شبابنا ما هم عليه مقدمون.
ونحن في حديثنا هذا لا ننكر – وهل تنكر الشمس – أن أميركة بلاد الثروة الوافرة وأن همة الشباب العامل جديرة بكل نجاح في الحياة ولكننا نرجو أن يضع الشاب العراقي المزمع على الهجرة إلى أميركة هذه الحقائق أمامه وأن يلقي على نفسه قبل أن يشد رحاله الاسئلة التالية:
1. هل في حوزتي مبلغ من المال لا يقل عن ألفي باون؟
2. ما هي معرفتي ودراستي وثقافتي؟
3. ما هي تجاربي في الحياة.
4. هل أنا من ذوي الإرادة والعزم والثبات وممن يعتمدون على أنفسهم؟
فإذا ألقى هذه الأسئلة على نفسه فوجد لها أجوبة شافية وافية مقنعة بالبرهان فلا بأس في أن يقوم بالتجربة الخطيرة، تجربة الابتعاد عن الأهل والأوطان في سبيل الحصول على الثروة الطائلة ي بلاد الغنى والحرية!