بغداد _ العالم
أثار إيداع العراق لخرائط حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة موجة جدل دبلوماسي مع الكويت، إذ اعتبرت بغداد الخطوة إعلاناً رسمياً لمطالبها البحرية لا اعترافاً دولياً جديداً بها، بينما اعتبرتها الكويت تصعيداً استدعى استدعاء السفير العراقي. ويشير خبراء إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى توضيح موقف العراق التفاوضي وتثبيت مطالبه ضمن الإطار القانوني الدولي، لكنها تفتح الباب أمام مرحلة تفاوضية جديدة قد تشمل العودة لمجلس الأمن أو اللجوء للتحكيم الدولي لحل النزاعات البحرية العالقة منذ عقود.
يُعد إيداع العراق خرائط ترسيم حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة خطوة استراتيجية لتعزيز موقفه القانوني والدبلوماسي في ملف الحدود البحرية مع الكويت، لكنها أثارت في الوقت نفسه ردود فعل متباينة بين الخبراء والدبلوماسيين. ويرى مراقبون أن الخطوة تهدف إلى إعلان رسمي لمطالب العراق البحرية، أكثر من كونها اعترافاً دولياً جديداً بالحدود التي يسعى العراق للحصول عليها.
وأوضح الباحث زياد الهاشمي أن تقديم الخرائط لا يعني حصولها على موافقة أممية، قائلاً: "ما قدمه العراق هو إبلاغ للأمم المتحدة والمكاتب المعنية بالتحديثات أو التثبيتات في الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية كما يريدها العراق، وليس اعترافاً دولياً جديداً بالخرائط العراقية وفق قانون البحار (UNCLOS)." وأضاف أن الحدود البحرية العراقية محكومة بقرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993، والذي رسّم الحدود بشكل نهائي، ولا يمكن تعديلها من جانب واحد دون توافق ثنائي أو اللجوء للتحكيم الدولي.
ويشير الهاشمي إلى أن أي اعتراضات أو تقديم خرائط مقابلة من دول أخرى سيعيد الملف إلى ما تم تحديده بموجب قرار مجلس الأمن، مع وجود فرص للتفاوض أو التحكيم الدولي لفض النزاعات. ومع ذلك، يؤكد أن خطوة تحديد العراق لحدوده البحرية والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها تعتبر مهمة، لأنها تتيح للدول الأخرى والمجتمع الدولي معرفة الموقف العراقي بشكل واضح وتحدد نقاط التفاوض والاعتراض المحتملة مستقبلاً.
ويعتبر ملف الحدود البحرية بين العراق والكويت من أكثر الملفات حساسية تاريخياً، ويحتاج إلى مفاوضات طويلة قد لا تلبي توقعات جميع الأطراف، وفقاً للهاشمي، موضحاً أن تراجع التأثير الجيوسياسي للعراق في المنطقة يقلل من قدرة البلاد على فرض رؤية أحادية الجانب، ما يجعل الاتفاق التفاوضي أمراً أساسياً لتثبيت أي نتائج.
من جهته، أكد الرئيس السابق للجنة ترسيم الحدود، جمال الحلبوسي، أن الخرائط المودعة لدى الأمم المتحدة تستند إلى منظومة فنية متكاملة تشمل خط الأساس، والبحر الإقليمي، والمنطقة المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وتمثل الخريطة البحرية المعتمدة رسمياً من قبل العراق، مع إحداثيات دقيقة ستخضع لأي تدقيق أممي أو مراجعة قانونية دولية.
وأشار الحلبوسي إلى أن إعداد الخرائط استغرق سنوات طويلة من العمل الفني عبر لجان متخصصة، من بينها لجنة الأمر الديواني 123، موضحاً أن جميع مراحل العمل كانت خاضعة للمعايير الفنية والقانونية، من دون تدخل سياسي مباشر، وأن الطابع الفني هو الذي حكم جميع المراحل رغم وجود مواقف قانونية سابقة لم تكن متوافقة مع توجهات اللجنة.
ورأى الحلبوسي أن استدعاء الكويت للسفير العراقي يعد إجراءً دبلوماسياً متعارفاً بين الدول، وغالباً ما يُستخدم كأداة ضغط، وليس بالضرورة مؤشراً على أزمة حقيقية، لافتاً إلى أن مثل هذه الإجراءات شهدتها حتى دول مجلس التعاون فيما بينها. وأضاف أن العراق يمكنه الرد بالمثل عبر استدعاء السفير الكويتي وإبلاغه رسمياً بأن ما جرى يعتبر تجاوزاً، مؤكداً أن البلاد تتحرك ضمن أطر قانونية وفنية واضحة لحماية حقوقها البحرية.
ويشير التقرير إلى أن الخطوة العراقية تحمل بعداً استراتيجياً، فهي تساعد في توضيح المطالب العراقية للمجتمع الدولي، ما قد يسهّل التفاوض المستقبلي ويحد من الالتباسات حول المطالب البحرية. كما أنها تشكل أرضية قانونية لمواجهة أي محاولات للاعتراض على المطالب العراقية، سواء من الكويت أو من أي دولة أخرى في المنطقة.
ويختتم الخبراء بالقول إن ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية العراقية يعد ملفاً معقداً، يتطلب مزيجاً من العمل الفني والقانوني والدبلوماسي، وأن الخطوة الأخيرة تمثل بداية مرحلة تفاوضية جديدة قد تعيد الملف إلى طاولة الأمم المتحدة أو التحكيم الدولي، في سياق الجهود العراقية لتثبيت حقوقها البحرية بما يتوافق مع القرارات الدولية والمعايير القانونية المعتمدة.
واستدعت وزارة الخارجية الكويتية القائم بأعمال سفارة جمهورية العراق لدى الكويت لتسليمه مذكّرة احتجاج رسمية.
وجاء الاستدعاء على خلفية "قيام العراق بإيداع قائمة إحداثيات وخارطة لدى الأمم المتحدة، تضمنت ادعاءات حول المجالات البحرية العراقية، تمسّ، بحسب الكويت، سيادتها على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية، منها فشت القيد وفشت العيج، التي لم تكن محل أي خلاف سابق"، وفق بيان الخارجية الكويتيو.
ودعت وزارة الخارجية العراق إلى "احترام مسار العلاقات التاريخية بين البلدين، والتعامل مع المسائل البحرية وفق القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، بما يتوافق مع التفاهمات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم الثنائية بين الكويت والعراق".
كما أثارت خرائط العراق البحرية ردود فعل خليجية من الإمارات وقطر والبحرين وعمان والسعودية، إذ اعتبرت هذه الدول تحرك العراق "مساساً بسيادة الكويت" على مناطقها البحرية.