بغداد ـ العالم
في مشهد غير مألوف يتكرر مع كل تصعيد إقليمي كبير، اختار آلاف العراقيين هذا العام أن “يغلقوا باب العيد” تضامناً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على وقع حرب تتسع رقعتها بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. هذا السلوك الاجتماعي، الذي تمثل في نشر اعتذارات عن استقبال المهنئين أو إلغاء مظاهر الفرح، يعكس تداخلاً معقداً بين العاطفة الدينية والسياسية، وبين المزاج الشعبي القلق من تداعيات الحرب.
في الأيام الاعتيادية، تعج الأسواق الشعبية وشوارع المناطق الراقية بالمواطنين والعجلات، لكنها بدت خاوية خلال الايام الثلاثة الأخيرة، في مشهد يعكس توجس الناس وقلقهم من تداعيات الحرب، وترقب لما تؤول اليها الأوضاع والراهنة وانعكاساتها على العراق: أغلب المطاعم مغلقة، المتنزهات خالية من الناس، الشوارع بلا صخب الهورنات.
وقبل اندلاع الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كانت العائلات العراقية تحرص على تنظيم جولات ترفيهية داخل المدن أو إلى الوجهات السياحية والدينية شمالاً وجنوباً، إلى جانب ارتياد المطاعم وتبادل الزيارات، إلا أن الظروف الحالية فرضت نمطاً مختلفاً لاحتفالات العيد هذا العام.
يقول علي حسن، وهو موظف من بغداد: “العيد فرح، لكن شلون نفرح وهناك قصف وضرب للمفاعلات؟ أقل شيء نسويه هو نوقف مظاهر الفرح تضامناً”.
أما الشاب علي كريم (25 عاماً)، فيشير إلى أنه وأصدقاءه ابتكروا برنامجاً بديلاً يقضي بالتجمع في منازلهم بالتناوب، مع توفير وجبات سريعة وألعاب إلكترونية.
يقول علي إن "النقاشات السياسية والأمنية أصبحت حاضرة بقوة في جلساتهم"، بسبب تداعيات الحرب والمخاوف من أزمات اقتصادية محتملة، لا سيما مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتأثيره على صادرات النفط.
ويضيف أن رحلات العيد إلى مناطق إقليم كوردستان، التي كانت خياراً مفضلاً في السنوات الماضية، باتت صعبة في ظل تشديد الإجراءات الأمنية وتصاعد التوترات.
فيما ترى أم زهراء، وهي ربة منزل من مدينة الصدر، أن الخطوة تحمل “رسالة أخلاقية”: “مو بس سياسة، إحنا نشوف إيران دولة جارة وتتعرض لهجوم، هذا واجب إنساني قبل كل شيء”.
لكن هذا الموقف لا يحظى بإجماع كامل. فهناك أصوات عراقية تعتبر أن ربط العيد بالحرب “مبالغ به”، كما يقول أحمد الجبوري، وهو صاحب محل في الكرخ: “الوضع الاقتصادي صعب، والناس تنتظر العيد حتى تفرح، ليش نحرم نفسنا؟ التضامن يكون بطرق ثانية”.
ميدانياً، شهدت الحرب خلال الأيام الأخيرة تطورات لافتة، تمثلت في توسيع نطاق الاستهداف ليشمل بنى تحتية حساسة داخل إيران، من بينها منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، إضافة إلى قواعد عسكرية ومراكز لوجستية. في المقابل، ردت طهران بسلسلة هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع عسكرية ومصالح مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في أكثر من ساحة.
هذا التصعيد يعكس انتقال الصراع من مرحلة “الردع المتبادل” إلى “كسر العظم”، حيث باتت الأطراف تستهدف نقاطاً استراتيجية كانت سابقاً ضمن الخطوط الحمراء. كما تشير تقارير إلى ارتفاع وتيرة العمليات السيبرانية، في محاولة لتعطيل أنظمة الطاقة والاتصالات.
العراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته، يجد نفسه في دائرة التأثر المباشر. فبعض الفصائل المسلحة أعلنت استعدادها لدعم إيران، فيما تشهد القواعد التي تضم قوات أمريكية حالة استنفار غير مسبوقة.
يقول الباحث في الشأن السياسي سعد العلاق: “أي تصعيد إضافي قد يحوّل العراق إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، خاصة إذا استُهدفت المصالح الأمريكية من داخله”.
مع استمرار التصعيد، تبرز عدة سيناريوهات:
1. التصعيد المفتوح: وهو الأسوأ، حيث تتوسع الحرب لتشمل ضربات أوسع على المنشآت الحيوية، وربما تدخل أطراف إقليمية أخرى بشكل مباشر. هذا السيناريو قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في سوق النفط ويهدد أمن المنطقة بأكملها.
2. حرب استنزاف طويلة: قد تستمر العمليات بشكل متقطع دون حسم، مع اعتماد الطرفين على الضربات غير المباشرة والوكلاء. هذا السيناريو هو الأقرب حالياً، خاصة في ظل رغبة جميع الأطراف بتجنب حرب شاملة.
3. تهدئة مؤقتة بوساطة دولية: قد تتدخل قوى دولية لفرض وقف إطلاق نار مؤقت، خاصة إذا تصاعدت الخسائر أو تأثرت المصالح الاقتصادية العالمية بشكل كبير. إلا أن هذا السيناريو يبقى هشاً وقابلاً للانهيار.
ما يجري في الشارع العراقي يعكس حالة تفاعل عميقة مع الأحداث، لكنه يكشف أيضاً عن انقسام في الرؤية بين من يرى التضامن واجباً، ومن يعتقد أن الأولوية يجب أن تكون للداخل العراقي.