بغداد ـ العالم
أثار قرار الحكومة بإعادة فرض ضريبة بنسبة 20% على خدمات الإنترنت وكارتات تعبئة الهاتف المحمول موجة واسعة من الجدل الاقتصادي والاجتماعي، بعد أن دخل حيز التنفيذ في العاشر من آذار 2026. وبينما تقول الحكومة إن الخطوة تأتي في إطار تعزيز الإيرادات غير النفطية ومواجهة الضغوط المالية، يرى خبراء ومواطنون أن الطريقة التي طُبقت بها الضريبة تجعل المواطن هو من يتحمل كلفتها المباشرة، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول السياسة الضريبية في العراق وتوازنها بين الحاجة إلى الموارد المالية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
دخلت خدمات الإنترنت والاتصالات في العراق مرحلة جديدة من التسعير بعد قرار حكومي يقضي بإعادة فرض ضريبة مبيعات بنسبة 20% على الاشتراكات والباقات المختلفة، وهو قرار بدأ تطبيقه فعلياً اعتباراً من 10 آذار 2026، ويشمل خدمات شحن الرصيد وتجديد الاشتراكات وشراء الباقات.
القرار الذي استند إلى قرار مجلس الوزراء رقم (1083) لسنة 2025 وتعليمات وزارة الاتصالات، يهدف إلى زيادة موارد الدولة المالية، لكنه في المقابل أثار مخاوف واسعة لدى المواطنين من ارتفاع تكاليف خدمة أصبحت جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية.
وأعلنت شركة “إيرثلنك”، إحدى أكبر مزودي خدمات الإنترنت في العراق، أن الضريبة ستُضاف إلى أسعار الخدمات التي يحصل عليها المستخدمون، بما في ذلك تجديد الاشتراك وشحن الرصيد وشراء الباقات المختلفة، ما يعني زيادة مباشرة في الكلفة التي يتحملها المستخدم النهائي.
وبحسب التوجيه الرسمي الصادر عن وزارة الاتصالات، فإن الضريبة تشمل خدمات الإنترنت المقدمة عبر شبكة الألياف الضوئية (FTTH) وكذلك خدمات الإنترنت اللاسلكي (WiFi)، إذ طُلب من الشركات احتساب نسبة 20% إضافية على كل مستخدم فعّال لهذه الخدمات. وشمل التوجيه عدداً من الشركات العاملة في قطاع الإنترنت، من بينها “إيرثلنك” و”IQ Networks” إضافة إلى شركات أخرى تعمل ضمن مشاريع الألياف الضوئية وشبكات الإنترنت الوطنية.
ويأتي هذا القرار بعد سنوات من إلغاء الضريبة التي كانت مفروضة على خدمات الاتصالات في عام 2022، لكنه يختلف هذه المرة في آلية التطبيق، إذ أصبحت الضريبة تُفرض مباشرة على المستخدم بدلاً من شركات الاتصالات.
هذا التغيير أثار جدلاً واسعاً بين المختصين، إذ يرى أستاذ الاقتصاد الدولي الدكتور نوار السعدي أن القرار يمثل تحولاً مهماً في فلسفة الجباية الضريبية في العراق. ويقول السعدي إن الضريبة التي فرضت عام 2015 خلال حكومة حيدر العبادي كانت تُطبق على شركات الاتصالات نفسها، باعتبارها الجهة المكلفة قانونياً بدفعها، وهو ما كان يتيح للشركات إمكانية امتصاص جزء من التكلفة من أرباحها أو إعادة توزيعها ضمن هيكل الأسعار.
أما في التطبيق الجديد، فقد انتقلت الضريبة بشكل مباشر إلى المستهلك، ما يعني أن أثرها يظهر فوراً في الأسعار التي يدفعها المستخدم عند شراء كارت التعبئة أو تجديد اشتراك الإنترنت.
ويضيف السعدي أن هذا التحول يلغي أي مساحة للمنافسة بين الشركات لامتصاص جزء من التكلفة، لأن النسبة أصبحت ثابتة ومباشرة على السعر النهائي للخدمة.
ويشير إلى أن خدمات الاتصالات والإنترنت لم تعد خدمات كمالية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي والتعليمي والمهني، ما يجعل أي زيادة في تكلفتها ذات تأثير مباشر على شريحة واسعة من المواطنين. وتظهر هذه التأثيرات بوضوح لدى فئات الموظفين وأصحاب الدخل المحدود، إذ تقول فاطمة حيدر، وهي موظفة بصفة عقد، إن راتبها يبلغ نحو 650 ألف دينار شهرياً، وأي زيادة في المصاريف تؤثر مباشرة على قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وتضيف أن فرض ضرائب جديدة بشكل متكرر، مع بقاء الرواتب على حالها، يجعل العبء المالي أكبر على المواطنين، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف السكن والمولدات والمياه والخدمات الأساسية.
ولا تعد حالة فاطمة استثناءً، إذ تشير مؤشرات مواقع عالمية متخصصة بكلفة المعيشة مثل “نومبيو” إلى أن متوسط الرواتب في العراق يقل عن 750 ألف دينار، وهو مبلغ يغطي بالكاد نحو 70% من النفقات الأساسية للأسرة. من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي أحمد عيد أن القرار يعكس توجهاً حكومياً لزيادة الإيرادات غير النفطية في ظل الضغوط المالية التي تواجه الموازنة العامة، لكنه يثير تساؤلات حول توزيع العبء الضريبي. ويقول عيد إن الحكومة بدلاً من معالجة الخلل في إدارة الإيرادات العامة أو تحصيل المستحقات المالية المتأخرة من بعض الشركات الكبرى، لجأت إلى فرض ضريبة مباشرة على الخدمات التي يستخدمها المواطن يومياً. ويضيف أن العديد من الدول تتجه في الوقت الحالي إلى تخفيف الضرائب على الخدمات الرقمية من أجل دعم التحول التكنولوجي والاقتصاد الرقمي، في حين يحدث العكس في العراق.
ويرى أن فرض ضريبة بهذا الحجم على خدمة يعتمد عليها ملايين العراقيين في العمل والتعليم يعكس خللاً في أولويات السياسة المالية، وقد يعمق شعور المواطنين بعدم العدالة الاقتصادية.
ويعيد هذا الجدل إلى الأذهان تجربة عام 2016 عندما فرضت حكومة حيدر العبادي استقطاعات على رواتب الموظفين بنسبة 3.8% وضرائب على الاتصالات، مبررة ذلك بظروف الحرب ضد تنظيم داعش وانهيار أسعار النفط آنذاك.
لكن البيانات الاقتصادية تشير إلى أن الدين الداخلي للعراق ارتفع في السنوات الأخيرة ليصل إلى نحو 91 تريليون دينار خلال عامي 2025 و2026، ما دفع الحكومة إلى البحث عن مصادر إضافية للإيرادات والتركيز على زيادة الموارد غير النفطية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوق الاتصالات في العراق قد يصل إلى نحو 1.2 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعني أن فرض ضريبة بنسبة 20% قد يوفر للحكومة إيرادات سنوية كبيرة تقدر بعشرات المليارات من الدنانير.
ومع ذلك، يرى مختصون أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإيرادات التي قد تحققها هذه الضريبة، بل يجب أن يمتد إلى كيفية استخدام هذه الأموال وتحسين الخدمات العامة والبنية التحتية الرقمية في البلاد.
وفي ظل التوسع الكبير في استخدام الإنترنت خلال السنوات الأخيرة، أصبح الاتصال بالشبكة ضرورة أساسية في التعليم والعمل والتجارة والخدمات الحكومية، وهو ما يجعل أي تغيير في تكلفته قضية تمس حياة ملايين العراقيين.
وبينما بدأت الشركات بالفعل بتطبيق القرار، يترقب المستخدمون تأثيراته الفعلية على أسعار الاشتراكات خلال الفترة المقبلة، وسط دعوات لمراجعة آليات التسعير بما يوازن بين حاجة الدولة إلى الإيرادات المالية وحق المواطنين في الحصول على خدمات إنترنت ميسورة الكلفة.